08 Feb
08Feb

لم يكن أحد يعرف من يملك ذلك المقهى الصغيرة الموجودة في زقاق ضيق مطل على النهر، ولا من صاحبه، كل ما يعرفه أهل المدينة أن أبوابه لا تفتح قبل مغيب الشمس, حين ينسحب آخر خيط من الضوء، ويبدأ النهر في التحول إلى مرآة من السواد تعكس النجوم، عند المدخل يضاء مصباح نحاسي من الطراز القديم ، رائحة قهوة تشبه الحنين، يفتح الباب بهدوء، ويقف مراد، النادل الوحيد، بابتسامته المميزة التي لا تتغير، كأنه حارس لزمن آخر وليس فقط للمقهى.

كان مراد في منتصف الأربعين، أو هكذا يبدو، لكن من يراه عن قرب يشعر أنه لا ينتمي لعمر محدد, ملامحه مألوفة وغامضة فى نفس الوقت, تشبه الذكريات ,عينيه رماديتان، وفيهما بريق لامع لا يطفئه الليل, هو لا يتكلم كثيراً، لكن صوته يحمل دفئاً يجعل كل غريب يشعر كأنه متواجد في مكان يعرفه منذ زمن بعيد.

قال إن المقهى لا تستقبل زبائن عاديين، بل أولئك الذين خذلهم القدر في الحب، الذين فاتهم موعد، أو سافروا دون وداع، أو ظل في قلوبهم كلام لم يقال أو يأتون دون أن يدرون كيف وصلوا، كأن المقهى نفسه هو من دعاهم وكانت هناك طاولة وحيدة يحتفظ بها مراد ويمنحها عناية خاصة, كل من جلس عليها، تغير شيء في حياته أو في قلبه.

ي ليلة شتوية قاصية، دخلت امرأة في أواخر الثلاثين من عمرها، ترتدي معطفاً رمادياً، شعرها يقطر بالمطر، وعيناها تلمعان بخوف لا تعرف مصدره, وقفت تتأمل المكان بدهشة، كأنها تعرفه، ثم قالت بصوت متوتر:

 ""هل هذا المكان مفتوح منذ زمن؟ لا أذكر أنني رأيته من قبلأجابها مراد وهو يلمع فنجاناًإنه لا يظهر إلا لمن يبحث عن شيء ضاع منه" "

ثم أشار إلى الطاولة رقم 7، وقال بابتسامة غامضة"تفضلي يبدو أنها كانت تنتظرك الليلة"

جلست المرأة، تنظر إلى الشموع الصغيرة الموزعة حولها، ثم أغمضت عينيها،فى لحظة، شعرت برائحة عطر قديم، فتحت عينيها فرأت رجلاً يجلس أمامها, كأن المقهى أنجبهما معاً من ذاكرة واحدة.

كان هو عمر، الرجل الذي أحبته قبل عشرين عاما، الذي ودعها دون تفسير، تاركا وراءه وعداً لم يكتمل نظر إليها بدهشة وابتسامة بسيطة، وقال:

   "ظننت أنك لن تأتي"

ردت بهمس حزين

    "وظننت أنك انتهيت"

ضحك مراد بصمت خلف الطاولة، وكأن شيئا مألوفا يحدث من جديد, جلسا طويلاً دون أن يشعر أحدهما بالوقت, تحدثا عن أشياء كثيرة  عن المدينة التي تغيرت، عن الأحلام القديمة، عن الخطأ الذي فرق بينهما كانت الموسيقى في الخلفية هادئة، والهواء يحمل رائحة البن المحروق وقصصاً لا تقال وقبل أن تغيب آخر شمعة، قال| عمر بصوت مبحوح

   "هل يمكن أن نبدأ من جديد؟"

ظرت إليه طويلاً ثم همست:

    ربما بدأنا فعلاً ياعمر""

حين عاد مراد في الصباح ليجمع الكراسي ويطفئ المصابيح، كانت الطاولة رقم 7 فارغة، وعلى سطحها فنجانان من القهوة محتفظان بدفئهما وبينهما وردة ذابلة, رفعها مراد ووضعها في دفتر قديم خلف الطاولة، حيث يحتفظ بوردة لكل لقاء اكتمل أو لم يكتمل

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.