08 Feb
08Feb

كُنْتُ عَائِدَةً مِنْ جَوْلَةِ التَّسَوُّقِ الْأُسْبُوعِيَّةِ، دَخَلْتُ بِسَيَّارَتِي الْفَارِهَةِ عَبْرَ بَوَّابَتِي الرَّئِيسِيَّةِ كَالْعَادَةِ، وَلَكِنَّ الْحَارِسَ أَشَارَ لِسَائِقِي أَنْ يَنْتَظِرَ، فَأَعْطَانِي كُتَيِّبًا مُصَوَّرًا وَبَعْضَ الْمُخَطَّطَاتِ الْهَنْدَسِيَّةِ وَبِطَاقَةً وَرَقِيَّةً أَنِيقَةً مَكْتُوبًا عَلَيْهَا : "مَعَ تَحِيَّاتِ مَكْتَبِ التَّصْمِيمَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمُبْتَكَرَةِ، مُهَنْدِسُ خَالِد وَشَرِيكَتُهُ سِهَام".

زَارَتْنِي الْمُهَنْدِسَةُ سِهَام فَقَالَتْ: 

-هَلْ تُرِيدِينَ تَصْمِيمَاتٍ شَرْقِيَّةً كَالَّتِي نَفَّذْنَاهَا بِبَيْتِ أَخِيكِ "أَبُو رَاشِد"؟

-أَبْغِي شَيْئًا مُخْتَلِفًا، لَقَدْ سَئِمْتُ مَنَاظِرَ بَاقَاتِ الْوُرُودِ وَأَحْوَاضِ الزُّهُورِ بِالْحَدِيقَةِ، دِيكُورَاتِ الْبَهْوِ، النَّوَافِيرَ التَّقْلِيدِيَّةَ، أَطْقُمَ صَالُونَاتِ الِاسْتِقْبَالِ، مَفْرُوشَاتِ غُرَفِ النَّوْمِ، مَجَالِسَ النِّسَاءِ وَحَتَّى زَخَارِفَ رُخَامِ الْحَمَّامَاتِ ضَجِرْتُ مِنْهَا. 

لَقَدْ مَلِلْتُ حَتَّى مِنَ اللَّافِتَةِ الرُّخَامِيَّةِ أَعْلَى الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْمَحْفُورِ عَلَيْهَا بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ عِبَارَةُ 

بَيْتُ آلِ رَاشِد"،  

أَوْدُّ تَبْدِيلَهَا بِلَوْحَةٍ فِضِّيَّةٍ تَحْمِلُ عِبَارَةَ  

"بَيْتُ الْعَنُودِ" 

الْحَقِيقَةُ أَنَّنِي لَا أَبْغِي تَصْمِيمَاتٍ تَقْلِيدِيَّةً وَلَا حَدِيثَةً.

إِذًا مَاذَا تُرِيدِينَ؟    

قَدَّمْتُ لَهَا كِتَابَ صُوَرِي الْعَائِلِيَّةِ وَأَرْدَفْتُ:-  

-أُرِيدُ تَصْمِيمًا مِنْ وَحْيِ سِجِلِّ ذِكْرَيَاتِي هَذَا.

ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ الْحَيْرَةِ وَالِانْدِهَاشِ، وَضَعَتْ كُوبَ الْعَصِيرِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَرْمَرِيَّةِ وَصَارَتْ تُقَلِّبُ فِي الْكِتَابِ عَسَى أَنْ تَحْصُلَ عَلَى فِكْرَةٍ تُخْرِجُهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَأْزَقِ.

-انْظُرِي، هَذِهِ دَارُنَا الْقَدِيمَةُ. سَقْفُهَا خَشَبِيٌّ وَخِزَانَةُ الْمَلَابِسِ عِبَارَةٌ عَنْ صُنْدُوقٍ زُخْرُفِيٍّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ

ظَهَرَ فِي الصُّورَةِ ابْنُ عَمِّي  

"حَمُّود 

كَانَ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى صَدْرِي وَأَنَا ابْنَةُ الْعِشْرِينَ أَدْرُسُ عُلُومَ التَّرْبِيَةِ فِي الْجَامِعَةِ. لَقَدْ رَفَضَ أَبِي زَوَاجَهُ مِنِّي لِأُكْمِلَ دِرَاسَتِي فَتَرَكَنِي وَخَطَبَ فَتَاةً سُورِيَّةً.

وَتِلْكَ صُورَةُ دَارِ خَالَتِي فِي مَدِينَةِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ الْجَدِيدَةِ،  

إِنَّهَا دَارٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الطِّرَازِ الْأَنْدَلُسِيِّ شَيَّدَهَا ابْنُهَا     "جَاسِم آل صَالِح" 

بَعْدَ حُصُولِهِ عَلَى شَهَادَةِ الدِّرَاسَاتِ الْعُلْيَا مِنْ أَمْرِيكَا. عُدْتُ يَوْمَهَا مِنْ عَمَلِي بَعْدَ أَنْ اسْتَلَمْتُ صَكَّ الْأَرْضِ وَالْمِنْحَةَ الْأَمِيرِيَّةَ. زُرْتُ بَيْتَ خَالَتِي لِأَسْتَشِيرَ جَاسِمًا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ الْجَدِيدِ. 

اقْتَرَبَ مِنِّي لِيُقَدِّمَ لِي الْمَشُورَةَ. شَعَرْتُ بِدِفْءِ أَنْفَاسِهِ عِنْدَمَا هَامَسَنِي وَاسْتَنْشَقْتُ عِطْرَ الْعُودِ الَّذِي كَانَ يَفُوحُ مِنْ غُتْرَتِهِ، لَقَدْ كَانَ يُشْعِرُنِي بِجَمَالِي وَيُدَاعِبُ أُنُوثَتِي. عِنْدَمَا طَلَبَنِي لِلزَّوَاجِ قَالَ لَهُ أَبِي:

الْمَهْرُ لَا يَقِلُّ عَنْ مِلْيُونِ رِيَالٍ يَا جَاسِمُ يَا وَلَدِي، وَمِلْيُونٌ أُخْرَى تَدْفَعُهَا لِحَفْلِ الْعُرْسِ. جِهَازُ الْعَرُوسِ مِنْ فَرَنْسَا. وَتَذَكَّرْ يَا بُنَيَّ أَنَّنَا آلُ رَاشِد، لَسْنَا أَقَلَّ مِنْ آلِ صَالِح مَكَانَةً بَيْنَ الْقَبَائِلِ. إِنْ قَبِلْنَا بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا مَاذَا سَيَقُولُ أَهْلُ الدِّيرَةِ عَنَّا؟

اخْتَفَى جَاسِمٌ بَعْدَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، سَمِعْتُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مِنِ ابْنَةِ خَالِهِ فِي نَفْسِ الشَّهْرِ.

فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّوَرِ لَمَحَتْ سِهَامُ صُورَةً الْتُقِطَتْ فِي دَارِ زَوْجَةِ عَمِّي الْمِصْرِيَّةِ بِمَدِينَةِ نَصْر بِالْقَاهِرَةِ. إِنَّهُ بَيْتٌ مَبْنِيٌّ عَلَى طِرَازٍ حَدِيثٍ أَرْكَانُهُ مُزَيَّنَةٌ بِأَشْكَالٍ هَنْدَسِيَّةٍ وَطَاوِلَاتٍ زُجَاجِيَّةٍ

قَالَتْ زَوْجَةُ عَمِّي: 

-مَا زِلْتِ جَمِيلَةً يَا عَنُودُ رَغْمَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، هَلْ أَعْجَبَكِ الْبَيْتُ؟ حُسَام ابْنَ أَخِي هُوَ الَّذِي بَاشَرَ التَّصْمِيمَاتِ، فَهُوَ مُتَخَرِّجٌ حَدِيثًا مِنَ الْجَامِعَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ   

تَحَمَّسْتُ فَجْأَةً فَقُلْتُ:

اخْتِيَارَاتُكَ رَائِعَةٌ يَا حُسَامُ، مَا رَأْيُكَ أَنْ تُشَارِكَنِي لِنُؤَسِّسَ شَرِكَةَ تَصْمِيمَاتٍ بِالْخَلِيجِ؟ أَنَا بِالْمَالِ وَأَنْتَ بِمَجْهُودِكَ.

-أَشْكُرُكِ يَا خَالَةُ عَلَى هَذَا الْعَرْضِ، وَلَكِنَّنِي أَنْوِي الْهِجْرَةَ لِأَمْرِيكَا. 

أَفْزَعَتْنِي كَلِمَةُ  

"يَا خَالَةُ" ، 

لَكِنَّهُ مُحِقٌّ، فَأَنَا أَكْبَرُهُ بِنَحْوِ عِشْرِينَ عَامًا. حَلِمْتُ بِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَرْكَبُ حِصَانًا أَبْيَضَ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَائِرَةٍ. كَانَ حُلْمًا فِضِّيًّا غَرِيبًا.

عِنْدَمَا الْتَحَقْتُ بِالْجَامِعَةِ كُنْتُ أَرَى الْمُسْتَقْبَلَ فِي أَحْلَامٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَمُؤَخَّرًا رَأَيْتُ الْمَاضِيَ فِي أَحْلَامٍ فِضِّيَّةٍ. كَانَ الْحِصَانُ هُوَ آخِرَ أَحْلَامِي الْفِضِّيَّةِ. الْآنَ هَجَرَتْنِي أَحْلَامِي وَاصْطَبَغَتْ مَنَامَاتِي بِصِبْغَةٍ رَمَادِيَّةٍ مَزَّقَتْهَا الْكَوَابِيسُ السَّوْدَاءُ الْمُرْعِبَةُ.

تَأَمَّلَتْ سِهَامُ فِي نُجُومِ سَمَائِي الَّتِي اخْتَفَتْ. مَرَّتْ بِنَا لَحَظَاتُ صَمْتٍ. لَمْ أَدْرِ مَاذَا أَقُولُ لَهَا وَمَاذَا أَطْلُبُ مِنْهَا. لَمْ يَتَحَرَّكْ صَمْتِي. وَجَدَتْ سِهَامُ نَفْسَهَا فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ فَخَافَتْ أَنْ يَقْتُلَ السُّكُوت طُمُوحَهَا فِي إِقْنَاعِي فَاسْتَأْذَنَتْنِي فِي الِانْصِرَافِ. فَقَدْ كَانَ زَوْجُهَا وَأَوْلَادُهَا يَنْتَظِرُونَهَا فِي سَيَّارَتِهِمْ أَمَامَ الْقَصْرِ.

قَالَتِ الْخَادِمَةُ: 

-أَلَا تَصْعَدِينَ إِلَى مَخْدَعِكِ يَا سَيِّدَتِي؟

سَأَمْضِي بَعْضَ الْوَقْتِ هُنَا. اِذْهَبِي لِنَوْمِكِ. أَرَاكِ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

خَفَضَتِ الْخَادِمَةُ الْإِضَاءَةَ وَانْسَحَبَتْ فِي سَكِينَةٍ. وَقَعَ بَصَرِي عَلَى ظَهْرِ كَفِّي. وَجَدْتُ بَشَرَتِي رَقِيقَةً وَعُرُوقًا زَرْقَاءَ تُطِلُّ مِنْ بَيْنِ بَيَاضِهَا. زَاغَ بَصَرِي نَحْوَ السَّقْفِ. كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي، أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي. ضَاقَ أُفُقِي. أَشْعُرُ بِالْمِسَاحَةِ حَوْلِي تَتَضَاءَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ أَطْبَقَتِ الْجُدْرَانُ عَلَى صَدْرِي فَصَارَ الْقَصْرُ كُوخًا صَغِيرًا لَا أَكَادُ أَنَامُ فِيهِ وَلَا أَحْلَمُ.

 تَمَّتْ



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.