08 Feb
08Feb

لم أعرف إذا كان الليل قد طال، أم أن الفجر تراجع حين بدأ القطار يتحرك بلا إعلان، كأنه يتنفس سرًا.

كنت أجلس في آخر عربة، أرى ممر باقي العربات كجرح طويل لا ينتهي، وأنتظر اللحظة التي يتقدم فيها أحدهم نحو العربة الأخيرة… حيث أجلس.

لم يكن كرسيًا عاديًا. كنت أسميه بـ"كرسي البوح"، أعرف أنه لا يمكن للرحلة أن تستمر قبل أن يجلس عليه بعضهم، ويتركوا شيئًا منهم على سطحه الخشبي البارد.

كانت أول من تقدم. كانت تمشي كمن اعتادت أن تنكمش في الزوايا. جلست ووضعت كفيها على ركبتيها كما لو أنها تخشى أن ينفلت منها تماسكها فتنكشف هشاشتها،

قالت بصوت مبحوح: "كان أبي يتعامل معي كرقم في قائمة ممتلكاته، وأمي كانت تراني كقطعة أثاث اقتنتها، وتحركها كيفما تشاء، وكانا يظنان أن المال يكفيني لأشعر بأنني إنسانة ولست جمادًا. اسمي كان مجرد نداء، فلم يشعرني أحدٌ يومًا بأني أعنيهم حقًا."

صمتت قليلًا، ثم أغمضت عينيها وكأنها تفتش عن ملامحها في ذاكرة لم تُحفر لها فيها مساحة.

"جئت لأتأكد إذا كنت ما زلت هنا، أم أنني مجرد فراغ يمشي باسم بشر.

كانت تحمل في باطنها رماد احتراق لم ينطفئ بعد، ضمت ذراعيها كمن يخشى أن ينهار جزء منها أمام الجميع، هامسة بصوت أقرب للأنين: "كنت الأصغر… بعد وفاة أبي، بقيتُ في بيتٍ تُدار فيه الحياة بالخشونة لا بالرحمة. ذات يوم أحببت ملامحًا ابتسمت لي، قيدوني وتركوا يومي يمر بلا طعام ولا ماء حتى صار جسدي يصرخ بصمت وينهار عطشًا قبل الدموع.

كأنني خطيئة تحتاج إلى سحق لا فهم. توسلتُ جرعة حنان، فلم يُصغِ أحد. وحين لم يعد هناك جلد يحتمل التوبيخ… قررت أن أترك لهم جثة لا قلبًا ينتظر الغفران."لم تذكر كلمة نار، لكن احتراقها كان حاضرًا في هوائها. وحين حدثتني، بدا الكرسي كأنه لا يزال يحمل أثر ارتجاف روحها.

تحرك القطار أسرع، لكن السفر لم يكن إلى الأمام، بل إلى الداخل.

أغمضت عينيها لحظة طويلة، كأنها تفتش عن صوتها الذي خفت عبر السنين.

"يقولون إنني مطلقة منذ أسبوع… لكن الحقيقة أنه طلقني يوم كنت في الثامنة عشرة، حين احتجت كتفه ولم أجده… منذ ذلك الحين، كلما تحدثتُ عن وجعي، سخر، وكلما تزينت، التفت بعيدًا، وكلما بحثت عن حنان، قال إن ضعفي مزعج. كنتُ زوجةً على الهامش… لكن داخلي أصبح غرفة مطفأة منذ زمن طويل. جئت إلى هذا المقعد… لأتأكد أنني لم أكن نصف امرأة كما جعلني أظن، بل قلبًا كاملاً أُهدر بصمت."

وحين تحركت، كان في خطواتها ارتجاف الخلاص… لا القوة.بدت العربة كأنها امتلأت بصدى لخطوةٍ تريد أن تبدأ حياةً جديدة، لكنها تخشى هشاشة الأرض.

عند تلك اللحظة، ساد القطار الصمت، والهواء صار أثقل، كأن الاعتراف يثبت جذوره في المكان.

نظرت إلى الكرسي، فتبيّن لي - ولدهشتي - أنه ما زال فارغًا!

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.