08 Feb
08Feb

أقسم بشرف ما تبقَّى لي من كبرياءِ موظّفٍ على درجة مدير عام، أنّني لم أكن أنوي شراء مؤخّرة دجاجة، فقط دخلتُ إلى السّوقَ أبحث عن حِزْمَتَيْ كُرَّاتٍ مصْرِيّ يزيد الفحولةَ! 

لكن في زمن ارتفاع أسعار المشاعر، واحتكار الفاكهة المستوردة، يصبح كلّ شيء قابلًا للتفاوض، حتى مؤخّرة الدّجاجة. بوجهٍ مطبوعٍ بملامحِ الاقتصاد العالميّ وقفت أمام بائع الدّجاج، سألته: 

- بكم الوِرْك؟ 

قال وهو يرمقني بعين كوريّة المنشأ: 

- الوِرَاك للمستثمرين فقط. 

قلت: - والصّدر؟ 

ضحكَ حتى تفتَّتَ الملْح على جبينه المكتنز: 

- الصّدر مملوكةٌ للكبارِ أيّها الحقير.  

صمتَ برهة، ثمّ فتح دُرْج الفريزر وأخرج شيئًا غريبًا! قال:  

- لديَّ شيء ينقذك من الفقر الغذائيّ، مؤخّرة اقتصاديّةٌ. 

تردّدْتُ كثيرًا، ثمّ سألته: 

- هل تحتوي على كولَّاجين؟ 

قالَ بشفقة تثير الرِثاء: 

- لا كولّاجين، ولا لحم، لكنّها تغذِّيك بالأمل! 

عدت إلى بيتي، أحملها على صدْري كما يحمل الفقراء أمنيةً مملَّحة. وضعتها في قِدْرٍ كبيرٍ بلا غطاء، ألقيتُ عليها محبتي مع فحل بصل من القرن العشرين، ورَشَّةَ غضب في الألفيّةِ الجديدة، وسكبْت عليها ماء الصُّنبور كما يسكب المهمَّشون أحلامهم في بلَاعة التّضخُّم. 

بعد نصف حلم، غَلَتِ المؤخّرة، شمَمْتُ رائحةَ أغلقتْ خياشيمي. 

ارتشفْتُ الذّكريات بملعقةٍ خشبيّةٍ، بعد دورة حلم كاملة كتمْتُ فتْحَتَيْ أنفي، وتناولتُ المؤخّرة حتى شرَجِها. شعرتُ بثقل في دماغي، فألقيْتُها حيث هي. 

في تلك اللّيلة حلمتُ أنَّي أُلْقِي محاضرة في منظَّمة الصّحّة العالميّة عن القيمة الفلسفيّة لمؤخّرة الدّجاج، حصلتُ على تصفيقٍ دوليٍّ مُعْتَبَر. وقف مندوب مصر يهزّ رأسه؛ فخرًا بهذا الإنجاز! قبل أن تقاطعني مندوبة هولندا قائلة:

   - لكنّنا نلقيها في بلادنا لقطط الحيّ! 

أجبْتها بحسدٍ مدفونٍ في بطني: 

- ونحن نقيم لها صلاة جماعيّةً!


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.