اليوم كان عصيبا، ازدحمت الطرقات بالصراخ والبشر والجهامة، وطرق أفئدة الناس لهاث ممرض من أعباء الخلق المنحور على أبواب العصر اللاهث، وصحائف التدافع العنيف.
وزع نظرات الأسى على الخلائق وقد لفتهم سحائب من ضباب معتم نفثته عوادم النفوس.
سؤال جوال في ذاته، يمشط وجدانه جيئة وذهابا: كيف يكون الحال هكذا في أول أيام الشهر الفضيل؟!، ألم يئن للناس بعد أن يجعلوا رمضانهم في طرقاتهم وعلي مكاتبهم وآلاتهم وسرائرهم لينيروا حياتهم بضوء مستدام ستة أشهر في العام؟!، ثم يظلوا ستة أخرى يرجون رحمات الضوء الأسنى؟!.
أزاح باب مسكنه، وقد لف أعضائه جميعا أسى وغضب، بشت في وجهه زوجته، ترجو أن تنزع عنه أوضاره النفسية، فقص عليها سريعًا ملحمة يومه، وعكارة أخلاق يراها حالقة للرضا والسكينة، فصبرته، فسكنت نفسه حتى أتم صلاته ودلف إلى نومته يرجو بها أن يستعيد صفاء رمضانه الأثير
*
عندما استيقظ قبل غروب الشمس بوقت وجيز، عجب كيف تغيرت أنفاس المكان هكذا بأريج عذب، وكيف شمل الضياء أركان النفس؟!، عرف السر عندما أنصت لصوت القارئ "محمد رفعت" عبر فضائية القرآن التى تحرص زوجته علي تشغيلها طالما تعمل في مطبخها المضمخ بروائح تثير الصائمين.
انداح الصوت في روحانية مشعة وهو يتلو آيات من سورة الرحمن: "الرحمن علم القرآن"، ما زال رمضان يتنفس هذا الصوت العذب، حتى عندما يستمع إليه خارج أيامه هذه، يستحلب فؤاده حلاوة رمضانه المعطر.تأمل ذاته معجبا وقد تسرب "الرضا" على مهل بخطوات مفرحة ليسكن الوجدان مبشرًا بتلك الحالة النفسية النادرة الصافية، نظر في ساعته، يوشك أن يؤذن المغرب بعد حوالي النصف ساعة، فقام بجلب مصحفه وعلى هامشه تفسير الآيات يطالع بعض ورده، كانت روحه تسبح في هدوء منعم، وهو غارق في تأملاته الراضية.
سحائب الأريج السحري أضاءت قلبه وعقله، فارتسمت علي شفتيه ابتسامة، هي تزهير السعادة النابتة بأرض جوانحه، ملأته مشاعر حلوة، أثمرت نعمته النفسية التي يرفل فيها لحظاته تلك رغم يومه العصيب.
شده من تأملاته الراضية وصوت القارئ النبيل "فيهما عينان تجريان"، صوت بكاء ابنه الصغير الذي تجاوز العاشرة من عمره بقليل، انغرس نصل جنجر الصراخ في قلبه فدفعه للنهوض وخرج إلي الصالة يستطلع الأمر ليجد زوجته تضحك وهي ممسكة بالولد الصغير تحاول تهدئته، وقد التمعت علي خده الصغير قطرات الدموع وهو يصيح جازما: سوف أموت يا ماما وكل فترة تقولين دقائق ونفطر .. حرام عليكم، ابتسم الأب في ود سائلا زوجته عن حقيقة الأمر، قالت وهي مستمرة في ضحكها: لقد سمع ولدنا من زملائه في المدرسة أنه يجب أن يصوم حتى العصر أو الظهر على الأقل، لكنني وجدته متحملا، ورفض بشده أن يفطر بعد عودته، رغم إلحاحي وإغرائه بالطعام والشراب، لكنه الآن لم يعد يتحمل، وفي نفس الوقت يريد أن يتم صوم يومه الأول، قال الولد في رجاء وهو يلقي إلى أبيه بالنظرات الضارعة: جائع يا بابا...تذكر الأب البارحة عندما احتفلت أسرته الصغيرة بأول سحور جماعي، وكيف سعدوا بالصغير الوديع وهو يقسم أنه سيصوم أول يوم له في حياته غدًا، بل زاد في قسمه أنه سوف يصوم الشهر جميعه حتى ينشد في المدرسة مع الصائمين معيرا غير الصائمين: "يا صايم رمضان يا موحد ربك"، فبادر الأب قائلًا: "النجمة البيضاء هتبوسك من خدك"، وقد وضع طرف أنامله علي خده الصغير، ضاعف المشهد من إحساسه بالسعادة، وأنساه تماما أسى نهاره الصاخب.
أصبح همه في الوقت القليل الباقي مواساة الصغير، انسحب ضوء الشمس وراء الأفق ليلتمع، وهو يبشره بجوائز اصطباره.
تتصاعد الفرحة تحتفي بميلاد المشاعر الساحرة، تتشكل ملامح الولد الصغير المتصبرة لترسم ملامح البهجة، اجتمع شمل الأسرة حول المائدة العامرة في ترقب سعيد، وانساح في النفوس الفيض الجميل.
تشكلت لوحة السرور مزينة بأريج الآيات الطيبات حول نعيم أهل الجنة "فيهما فاكهة ونخل ورمان". انفجرت عيون الحب تنصب على الطفل، فتلون الفيض الرشيق بلون نادر مزج بين البراءة، وفرحة الوقت، فأشرق شعاعه متكسرًا مُشِعًّا على جوهرة عذوبة اللحظات. ارتفع صوت الاذان ... الله أكبر ... الله أكبر .. بدأ الولد يلتهم الطعام وهو يجفف دموعه، والوالدان يمدان له الأيدي والأطباق والقلوب في حنان رفيق وهما يضحكان توهج المشهد بأمطار السعادة ...
تمتم الأب : "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر -إن شاء الله- تعالى"
خالد جوده أحمد
