لكم سأفتقد عم كامل بضحكته الوديعة وعينيه البراقتين الذابلتين. لكم سأفتقد لمسة يده الحانية وهي تُربّت على كتفي كلما باغتتني إغفاءة، وأنا بجوار سريره في أثناء نوبتجية المستشفى التي أعمل بها، إذ كان يقول لي: "فلتأخذي قسطا من الراحة يا بنيتي، وسأنام قليلا أنا أيضا فلن أحتاج إلى شيء". دخل عم كامل المستشفى الشهر الماضي في سيارة إسعاف في حالة مزرية وأدخل العناية المركزة التي قضى بها أسبوعا حتى تعافى تماما، وخرج على رجليه. كنت أرعاه في فترة وجوده بالمستشفى وكان طيبا هادئ الطبع قليل الكلام. نشأت بيننا صداقة جميلة؛ فقد كان يقول إني أشبه ابنته الكبرى في طريقة كلامها، ولكم سعدت بذلك. هو أيضا كان يذكّرني بأبي رحمه الله في سمته وهدوئه. لكم كنت سعيدة حين شفاه الله وتقرر خروجه من المستشفى، وقد شكرني بعبارات رقيقة لن أنساها ما حييت. بعدها قررت طلب إجازة لمدة أسبوعين لأسافر وأمي إلى خالتي بالإسكندرية لنزورها ونستمتع بنسيم البحر بعيدا من حر القاهرة. وبالفعل قضينا إجازة سعيدة هناك رفقة خالتي وأطفالها الرائعين. ثم عدنا إلى القاهرة واستأنفت عملي بالمستشفى. وفي أول يوم لي أعقب عودتي أحسست بصداع وأنا في النوبتجية فنصحتني زميلتي بالصعود إلى غرفة الممرضات لأستريح قليلا على أن تعمل هي مكاني حتى أعود. فصعدت إلى الغرفة وغلبني النوم ثم ما لبثت أن استيقطت على صوت طرقات الباب. فقمت من السرير وفتحت الباب، فإذا بعم كامل قبالتي في ملابس العناية المركزة. لم أتمالك نفسي من الدهشة وقلت: ماذا جاء بك يا عم كامل؟ هل أنت في العناية المركزة؟ وكيف سمحوا لك بالصعود ها هنا؟
نظر إليّ نظرة ثاقبة وقال: دعك من كل هذا يا ابنتي. أنا فقط أردت أن أشكرك جزيل الشكر على ما بذلته من أجلي.
بعدها تركني وسار بعيدا، ولما تزايلني آثار الدهشة. والغريب في الأمر أنه كان يمشي بثبات ولم يبد عليه أنه مريض. وحين استعدت توازني توجهت إلى قسم العناية المركزة لأتحرى الأمر. قالوا لي ليس ثمة أحد في العناية بهذا الاسم. واستنكروا عليّ إدعائي بأنهم لم يكونوا على يقظة كافية حتى أن مريضا غادر غرفة العناية المركزة دون أن ينتبهوا لذلك. ولكن مع إصراري وعزمي أخرجوا لي السجلات كي أعاينها، فوجدت أن عم كامل قد أدخل المستشفى ثانية منذ عشرة ايام متأثرا بجروح عدة نتيجة حادث تصادم. ثم ما لبث أن توفي بعدها بعدة ايام. بُهتُّ حين سمعت هذا. كيف ذاك؟! ومن الذي كان يحدثني منذ أقل من ساعة ويشكرني؟! ذهني كاد ينفجر. أكان ما رأيته حلما أم حقيقة أم هذيانا محضا؟!!
