
"من شواطئ الإسكندرية التي لم تعد تنام، ومن عبق 'طيور العنبر' التي حطت رحالها في ذاكرة الأدب العربي، نستضيف اليوم حارس الذاكرة السكندرية، وفيلسوف المكان الذي طوع التاريخ ليصبح رواية، والواقع ليصبح ملحمة. معنا اليوم الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد؛ الرجل الذي لم يكتف بكتابة الرواية، بل جعل من الرواية وطنا يتسع للجميع، ومن الإسكندرية مرآة نرى فيها تحولات الروح المصرية عبر العقود. نرحب بك يا أستاذ إبراهيم في هذا اللقاء الاستثنائي بقلب 'واحة أقلام الذهبية'."
- هي محاولة استعادة للإسكندرية حين كانت مدينة عالمية وما جري لها من تغير، فصارت مدينة سلفية وهابية عشوائية البناء والشوارع، أفسدها الفساد وسياسة الدولة. لخصت ثلاثيتي عنها ذلك، ففي رواية " لا أحد ينام في الإسكندرية" تجدين المدينة تحت الحرب العالمية الثانية، وكيف كانت مدينة العالم والتسامح بين الأديان والجنسيات. ثم يأتي الجزء الثاني " طيور العنبر" الذي تدور أحداثه في الخمسينيات والستينيات، لنري كيف كانت سياسة الدولة التي يلخصها جمال عبد الناصر ضد التعدد والاختلاف، فبدأ التخلص من الجاليات الأجنبية من يونان وإيطاليين ويهود وأرمن وأكراد وغيرهم، بحجج اقتصادية تحت شعار التمصير مرة ثم التأميم، لكن الأصل هو عدم وجود اختلاف، وأن تكون الدولة والشعب كله على فكر واحد هو فكر الزعيم. الجاليات الأجنبية لم تكن احتلالا، لكنهم صناع النهضة في مصر في كل مجال، صناعة وفنا وعلما وصحة وطب وكل شيء، ومعهم الباشوات الحقيقيين من المصريين الذين لم يكونوا يحصلون على لقب البكوية أو الباشوية إلا بعد مساهمات عظيمة في النهضة بكل جوانبها. ثم تأتي المرحلة الثالثة في السبعينيات مع أنور السادات الذي استغل فكرة الزعيم الأوحد، ليشجع التيارات الوهابية والإخوان المسلمين، فقضت على ما بقي فيها من مسارح وملاهي وسينمات وأراضي زراعية جنوب المدينة وبحيرة مريوط وصارت مدينة عشوائية. راح الزمن الذي كنت ترى في المقهى الجالسين كل منهم يقرأ في جريدة بلغة أجنبية إلى جوار من يقرأ بالعربية، وجاء الزمن الذي يقرأ فيه الجميع من جرائد مصرية واحدة لا تسمح حتى لها الرقابة بالحرية. راح زمن الحرية على الشواطئ، وتغير الزي فصار النقاب والإسدال، بعد أن كانت الموضة في الأزياء تخرج من الإسكندرية إلى باريس. والآن يزداد الأمر سوءا، فحتى الشواطئ صارت مغلقة إلا لمن يدفع، وصارت محاطة بالأسوار. تجدين الأمر أيضا في روايات أخرى لي مثل "الصياد واليمام" و"بيت الياسمين" وغيرها. الإسكندرية راحت في الوبا مثل هنادي في فيلم "دعاء الكروان". قتلوها عمدا بعد حركة يوليو 1952 ولا أعرف من أين جاء هذا العداء للمدينة. وطبعا لا يخلو الأمر من رثاء رغم بهجة الاستعادة الفنية للمدينة.
- أنا لا أختار اللحظة التاريخية لأن الاختيار معناه وجود العقل، وهكذا يسبق الفكر الروح في الإبداع، بينما الإبداع روح قبل أن يكون فكرا. كل ما حدث أن أبي كان يحكي لنا ونحن أطفال حكايات الحرب العالمية الثانية، وكيف كان يعمل في السكة الحديد بمدينة العلمين، وكيف أصيب في الحرب وكيف هاجر وأمي من الإسكندرية إلى الريف بسبب الغارات. كانت حكايات غريبة لي طفلا لم أحضرها لكنها استقرت في روحي. في عام 1990 كنت ذاهبا بسيارتي إلى مرسى مطروح لنقضي أسبوعا في المصيف، فأخذت استراحة مع أسرتي في العلمين. رأيت مقابر الحلفاء أمامي فدخلت اتفرج عليها. استيقظت حكايات أبي ووجدت رغبة في كتابة الرواية. عدت بعد المصيف وبدأت اقرأ في صحف ذلك الزمن، وأسافر أزور أماكن الحرب في الصحراء الغربية من كينج مريوط حتى السلوم، وانفقت ست سنوات في البحث والزيارات وانتهيت من الرواية. بعدها قفز السؤال. كيف كانت الإسكندرية مدينة العالم وحدث لها هذا الانحدار، فجاءت رواية "طيور العنبر" ثم جاءت رواية "الإسكندرية في غيمة" هكذا كتبت الثلاثية نفسها ولم تكن مشروعا مسبقا لي. لم أحاول في الروايات الثلاث أن تكون هناك وجهة نظر واضحة في السرد أو الحديث. تركت الأحداث تعبر عن ذلك، وتركت الفكر للقارئ يصل إليه إذا أراد. حاولت في الروايات الثلاث أن أمسك بروح الزمن. لا أميل أن تكون الرواية التاريخية تعبيرا عن فكرة مسبقة. تجدين في الروايات الثلاث مثلا الأخبار السياسية تمتزج مع الأخبار الاجتماعية، مع الأخبار الشخصية، وحتى مع الأحداث اليومية والنكت والجرائم، ولا رابط بينها إلا أنها بنت زمانها، وتعبر عن روح الزمن وليس عن أفكار مسبقة. وكما قلت الأفكار يدركها القارئ إذا أراد وقد يختلف فيها القراء بحسب ثقافتهم. هناك من يكتب عن الأندلس مثلا باعتبارها فلسطين الضائعة، ومن يكتب عن شخصية تاريخية باعتبارها جمال عبد الناصر وهكذا. لا أميل إلى ذلك. أميل إلى محاولة الإمساك بروح العصر الذي تدور الأحداث فيه.
- التاريخ حقا يكتبه المنتصرون ومن يميل إليهم من المؤرخين، لكن هناك دائما تاريخ آخر يكتبه الناس، ويبحث عنه مؤرخون وكتاب عظماء مثل محمد أنيس وأحمد بهاءالدين وصلاح عيسى وأحمد زكريا الشلق وغيرهم كثير. الرواية ليست تاريخا سياسيا ولا شعبيا. هي مزيج من الاثنين وأحب اختار ما يعبر عن روح العصر الذي تدور فيه الاحداث وكما تراه شخصيات الرواية بروحها. فتجدين مثلا في "لا أحد ينام في الإسكندرية" خبرا هاما عن هتلر بعده خبر عن حلاق في الإسكندرية، وخبرا عن معركة كبيرة في أوربا بعده خبر عن معركة بين اثنين من الفتوات، وخبرا عن فيلم جميل بعده خبر عن هدم سينما وهكذا. فضلا عن شخصيات الروايات التي كلها تقريبا من الطبقات الوسطى أو الفقيرة فأري العالم بعينيها وروحها. لا أبحث عن وثائق ولا معاني نهائية. أبحث عن أرواح البشر.
- لا زلت كما أنا أكتب مع الموسيقي الكلاسيكية حولي وبعد أن ينتصف الليل، وحتى الآن بحكم التقدم في العمر صرت اكتب أحيانا بالنهار، لكن مع الموسيقي الكلاسيكية التي يتسع بها العالم حولي، ولا أحد يدخل عليْ غرفة مكتبي. لا أميل للذكاء الاصطناعي ولا أهتم به. أراه طريقة لمتوسطي الموهبة. قد يفيد في البحث العلمي أو الفكري، لكن الإبداع للشعر والرواية روح كاملة، لذلك أراه وسيلة لمتوسطي الموهبة أو غير الموهوبين. للأسف دخل الأدب مرحلة الاستهلاك السريع بسبب السوشيال ميديا وأنصاف الموهوبين.
- أن يقرأوا تاريخ الأدب وتاريخ المذاهب الأدبية، ليعرفوا أين يضعوا أقدامهم، وأن لا يعتبروا الرواية منفصلة عن الشعر، وشعريتها ليست من اللغة، بل من بنائها الفني وتعدد لغات الشخصيات، وأن الرواية متصلة بالفن التشكيلي ففي اللوحة الصغيرة تري تعدد الألوان وتناقضها أو تمازجها، لتعبر في مساحة صغيرة عن مشاعر ومعاني كبيرة، ومن ثم هكذا تكون الرواية، فالحذف فيها أهم من الاستطراد، وأن يتحول كل شعور إلى موقف وليس سردا مُفسرا. الأمر نفسه مع السينما فالرواية تستفيد من سرعة بعض المشاهد، أو العودة إلى الخلف، أو ما ما هو معروف بالفلاش باك. باختصار كيف تكون الصورة معبرة. الأمر نفسه مع المسرح فلا يكون الحوار مملا أو مكررا، بل يضيف إلى الأحداث بإيجاز ويتغير بتغير الشخصيات، وهكذا مع كل الفنون.
- استمتع بما تكتب ولا تنتظر شيئا من هذا العالم فمتعة الكتابة هي الأعظم. وتأكد أن روح ابداعك ستصل ولو إلى قارئ بعيد وتغير حياته.