01 Mar
01Mar

"من شواطئ الإسكندرية التي لم تعد تنام، ومن عبق 'طيور العنبر' التي حطت رحالها في ذاكرة الأدب العربي، نستضيف اليوم حارس الذاكرة السكندرية، وفيلسوف المكان الذي طوع التاريخ ليصبح رواية، والواقع ليصبح ملحمة. معنا اليوم الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد؛ الرجل الذي لم يكتف بكتابة الرواية، بل جعل من الرواية وطنا يتسع للجميع، ومن الإسكندرية مرآة نرى فيها تحولات الروح المصرية عبر العقود. نرحب بك يا أستاذ إبراهيم في هذا اللقاء الاستثنائي بقلب 'واحة أقلام الذهبية'." 

  • أستاذ إبراهيم، في ثلاثيتك السكندرية ، نلمس أن الإسكندرية ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي البطل التراجيدي الذي يتألم ويتغير أمام أعيننا. هل كانت الكتابة بالنسبة لك محاولة لاستعادة تلك الروح المفقودة؛ حين كانت المدينة وطنا يتسع للجميع باختلاف لغاتهم وجنسياتهم دون شعور بغربة، أم هي رثاء لزمن مضى كان فيه العالم أكثر رحابة وقبولا للآخر قبل أن تتبدل ملامح المجتمع وتتغير هويته؟

 - هي محاولة استعادة للإسكندرية حين كانت مدينة عالمية وما جري لها من تغير، فصارت مدينة سلفية وهابية عشوائية البناء والشوارع، أفسدها الفساد وسياسة الدولة. لخصت ثلاثيتي عنها ذلك، ففي رواية " لا أحد ينام في الإسكندرية" تجدين المدينة تحت الحرب العالمية الثانية، وكيف كانت مدينة العالم والتسامح بين الأديان والجنسيات. ثم يأتي الجزء الثاني " طيور العنبر" الذي تدور أحداثه في الخمسينيات والستينيات، لنري كيف كانت سياسة الدولة التي يلخصها جمال عبد الناصر ضد التعدد والاختلاف، فبدأ التخلص من الجاليات الأجنبية من يونان وإيطاليين ويهود وأرمن وأكراد وغيرهم، بحجج اقتصادية تحت شعار التمصير مرة ثم التأميم، لكن الأصل هو عدم وجود اختلاف، وأن تكون الدولة والشعب كله على فكر واحد هو فكر الزعيم. الجاليات الأجنبية لم تكن احتلالا، لكنهم صناع النهضة في مصر في كل مجال، صناعة وفنا وعلما وصحة وطب وكل شيء، ومعهم الباشوات الحقيقيين من المصريين الذين لم يكونوا يحصلون على لقب البكوية أو الباشوية إلا بعد مساهمات عظيمة في النهضة بكل جوانبها. ثم تأتي المرحلة الثالثة في السبعينيات مع أنور السادات الذي استغل فكرة الزعيم الأوحد، ليشجع التيارات الوهابية والإخوان المسلمين، فقضت على ما بقي فيها من مسارح وملاهي وسينمات وأراضي زراعية جنوب المدينة وبحيرة مريوط وصارت مدينة عشوائية. راح الزمن الذي كنت ترى في المقهى الجالسين كل منهم يقرأ في جريدة بلغة أجنبية إلى جوار من يقرأ بالعربية، وجاء الزمن الذي يقرأ فيه الجميع من جرائد مصرية واحدة لا تسمح حتى لها الرقابة بالحرية. راح زمن الحرية على الشواطئ، وتغير الزي فصار النقاب والإسدال، بعد أن كانت الموضة في الأزياء تخرج من الإسكندرية إلى باريس. والآن يزداد الأمر سوءا، فحتى الشواطئ صارت مغلقة إلا لمن يدفع، وصارت محاطة بالأسوار. تجدين الأمر أيضا في روايات أخرى لي مثل "الصياد واليمام" و"بيت الياسمين" وغيرها. الإسكندرية راحت في الوبا مثل هنادي في فيلم "دعاء الكروان". قتلوها عمدا بعد حركة يوليو 1952 ولا أعرف من أين جاء هذا العداء للمدينة. وطبعا لا يخلو الأمر من رثاء رغم بهجة الاستعادة الفنية للمدينة. 

  • في روايتك 'لا أحد ينام في الإسكندرية'، مزجت بين لاهوت الأديان وناسوخ البشر وسط نيران الحرب. كيف يستطيع الروائي أن يحافظ على حياده الإنساني وهو يؤرخ لصراعات كبرى؟ وكيف تختار اللحظة التاريخية التي تستحق أن تتحول إلى سرد ذهبي؟

 - أنا لا أختار اللحظة التاريخية لأن الاختيار معناه وجود العقل، وهكذا يسبق الفكر الروح في الإبداع، بينما الإبداع روح قبل أن يكون فكرا. كل ما حدث أن أبي كان يحكي لنا ونحن أطفال حكايات الحرب العالمية الثانية، وكيف كان يعمل في السكة الحديد بمدينة العلمين، وكيف أصيب في الحرب وكيف هاجر وأمي من الإسكندرية إلى الريف بسبب الغارات. كانت حكايات غريبة لي طفلا لم أحضرها لكنها استقرت في روحي. في عام 1990 كنت ذاهبا بسيارتي إلى مرسى مطروح لنقضي أسبوعا في المصيف، فأخذت استراحة مع أسرتي في العلمين. رأيت مقابر الحلفاء أمامي فدخلت اتفرج عليها. استيقظت حكايات أبي ووجدت رغبة في كتابة الرواية. عدت بعد المصيف وبدأت اقرأ في صحف ذلك الزمن، وأسافر أزور أماكن الحرب في الصحراء الغربية من كينج مريوط حتى السلوم، وانفقت ست سنوات في البحث والزيارات وانتهيت من الرواية. بعدها قفز السؤال. كيف كانت الإسكندرية مدينة العالم وحدث لها هذا الانحدار، فجاءت رواية "طيور العنبر" ثم جاءت رواية "الإسكندرية في غيمة" هكذا كتبت الثلاثية نفسها ولم تكن مشروعا مسبقا لي. لم أحاول في الروايات الثلاث أن تكون هناك وجهة نظر واضحة في السرد أو الحديث. تركت الأحداث تعبر عن ذلك، وتركت الفكر للقارئ يصل إليه إذا أراد. حاولت في الروايات الثلاث أن أمسك بروح الزمن. لا أميل أن تكون الرواية التاريخية تعبيرا عن فكرة مسبقة. تجدين في الروايات الثلاث مثلا الأخبار السياسية تمتزج مع الأخبار الاجتماعية، مع الأخبار الشخصية، وحتى مع الأحداث اليومية والنكت والجرائم، ولا رابط بينها إلا أنها بنت زمانها، وتعبر عن روح الزمن وليس عن أفكار مسبقة. وكما قلت الأفكار يدركها القارئ إذا أراد وقد يختلف فيها القراء بحسب ثقافتهم. هناك من يكتب عن الأندلس مثلا باعتبارها فلسطين الضائعة، ومن يكتب عن شخصية تاريخية باعتبارها جمال عبد الناصر وهكذا. لا أميل إلى ذلك. أميل إلى محاولة الإمساك بروح العصر الذي تدور الأحداث فيه. 

  • 3-انتقلت في أعمالك من الواقعية التاريخية إلى السريالية أحيانا كما في 'المسافات'، وصولا إلى العالم الرقمي في 'في كل أسبوع يوم جمعة'. هل يغير الأديب جلده الأدبي ليلائم العصر، أم أن الجوهر الإنساني واحد مهما اختلفت الوسائل؟
  • - لذلك حكاية طويلة ذكرتها في كتابي" ما وراء الكتابة تجربتي مع الإبداع" في مطلع شبابي كنت منتميا إلى الحركات اليسارية، فكان ذلك ينعكس فيما أكتبه من قصص فلا تعجبني بسبب الفكر الواضح فأمزقها. أنا دارس فلسفة وقارئ جيد للأنثروبولوجيا والفنون الشعبية وغيرها. كانت أول حكايات سمعتها وأنا طفل من شاعر الربابة الذي كان أبي يأتي به إلى البيت يعزف ويغني لنا، وكانت حكاياته من خيال أو تذهب بنا الي الخيال. في منتصف عام 1978 تركت عضوية الحزب الشيوعي السري الذي كنت منتميا إليه. بالليل جلست أكتب تاركا نفسي للخيال الذي عرفته في دراساتي للفولكلور والانثروبولوجيا، فوجدت نفسي اكتب رواية" المسافات" التي جاءت كلها أساطير من صنع روحي. كنت أتوقف عن الكتابة وأقول" وجدتها وجدتها" لم نكن عرفنا جابرييل جارثيا ماركيز، وحين تأخر نشر روايتي إلى عام 1980 وكانت قد بدأت تظهر ترجمات لماركيز، قلت سيقولون عني تأثرت به، بينما هو الذي تأثر بألف ليلة وليلة. صارت العجائبية ملمحا رئيسيا في رواياتي، وقفزت السيريالية في أعمالي القصصية القصيرة ومشاهد من رواياتي. تركت الروح تحلق في الفضاء. ولأني أعرف أن الكاتب الموهوب مهما يتقدم في العمر لا يشيخ في الكتابة، صرت أتابع ما يحدث حولي من ثورة رقمية، فجاءت رواية " في كل أسبوع يوم جمعة" عام 2009. بعدها صارت رواياتي كلها مفتوحة لهذه الثورة الرقمية، ووصلت إلى أن رواية أخيرة مثل" 32 ديسمبر" يقوم بناؤها كله على إيميلات بين شخصياتها. هكذا أنا لا أنفصل عن العالم وتدب في روح الشباب في الإبداع. في كل ما أكتب أبحث عن روح العصر شكلا وموضوعا ويتحول إلى سماء من خيال. موضوعات الإبداع قد تتشابه، فهي ما بين الحب والفراق والسفر والسجون وغيرها، لكن بناء العمل الفني هو الذي يفرق كاتبا عن كاتب، وحين يقدم لك العالم أشكالا جديدة من الحياة فاستخدامها يجعل الكاتب معاصرا.
  • يقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الرواية يكتبها المخلصون للإنسان. أين تقع الحقيقة في أعمال إبراهيم عبد المجيد؟ هل هي في الوثيقة التاريخية التي تبحث عنها، أم في خيال أبطالك الذين يتحركون بين السطور؟

 - التاريخ حقا يكتبه المنتصرون ومن يميل إليهم من المؤرخين، لكن هناك دائما تاريخ آخر يكتبه الناس، ويبحث عنه مؤرخون وكتاب عظماء مثل محمد أنيس وأحمد بهاءالدين وصلاح عيسى وأحمد زكريا الشلق وغيرهم كثير. الرواية ليست تاريخا سياسيا ولا شعبيا. هي مزيج من الاثنين وأحب اختار ما يعبر عن روح العصر الذي تدور فيه الاحداث وكما تراه شخصيات الرواية بروحها. فتجدين مثلا في "لا أحد ينام في الإسكندرية" خبرا هاما عن هتلر بعده خبر عن حلاق في الإسكندرية، وخبرا عن معركة كبيرة في أوربا بعده خبر عن معركة بين اثنين من الفتوات، وخبرا عن فيلم جميل بعده خبر عن هدم سينما وهكذا. فضلا عن شخصيات الروايات التي كلها تقريبا من الطبقات الوسطى أو الفقيرة فأري العالم بعينيها وروحها. لا أبحث عن وثائق ولا معاني نهائية. أبحث عن أرواح البشر. 

  • كتابك 'ما وراء الكتابة' كان كشفا صريحا للمختبر السري للمبدع. في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي، هل ما زالت الكتابة هي ذلك الطقس المقدس الذي يتطلب عزلة وتأملا، أم أن الأدب دخل مرحلة الاستهلاك السريع؟

 - لا زلت كما أنا أكتب مع الموسيقي الكلاسيكية حولي وبعد أن ينتصف الليل، وحتى الآن بحكم التقدم في العمر صرت اكتب أحيانا بالنهار، لكن مع الموسيقي الكلاسيكية التي يتسع بها العالم حولي، ولا أحد يدخل عليْ غرفة مكتبي. لا أميل للذكاء الاصطناعي ولا أهتم به. أراه طريقة لمتوسطي الموهبة. قد يفيد في البحث العلمي أو الفكري، لكن الإبداع للشعر والرواية روح كاملة، لذلك أراه وسيلة لمتوسطي الموهبة أو غير الموهوبين. للأسف دخل الأدب مرحلة الاستهلاك السريع بسبب السوشيال ميديا وأنصاف الموهوبين. 

  • نحن في 'واحة أقلام الذهبية' نؤمن بأن الكلمة قادرة على صياغة الوعي. ما هي النصيحة التي يوجهها صاحب طيور العنبر للأقلام الشابة التي تحاول نقش اسمها في تاريخ الأدب اليوم؟

 - أن يقرأوا تاريخ الأدب وتاريخ المذاهب الأدبية، ليعرفوا أين يضعوا أقدامهم، وأن لا يعتبروا الرواية منفصلة عن الشعر، وشعريتها ليست من اللغة، بل من بنائها الفني وتعدد لغات الشخصيات، وأن الرواية متصلة بالفن التشكيلي ففي اللوحة الصغيرة تري تعدد الألوان وتناقضها أو تمازجها، لتعبر في مساحة صغيرة عن مشاعر ومعاني كبيرة، ومن ثم هكذا تكون الرواية، فالحذف فيها أهم من الاستطراد، وأن يتحول كل شعور إلى موقف وليس سردا مُفسرا. الأمر نفسه مع السينما فالرواية تستفيد من سرعة بعض المشاهد، أو العودة إلى الخلف، أو ما ما هو معروف بالفلاش باك. باختصار كيف تكون الصورة معبرة. الأمر نفسه مع المسرح فلا يكون الحوار مملا أو مكررا، بل يضيف إلى الأحداث بإيجاز ويتغير بتغير الشخصيات، وهكذا مع كل الفنون. 

  • أديبنا الكبير.. ونحن نغادر ضفاف الإسكندرية في ختام هذا الحوار الممتع.. ومن خلال واحة أقلام ذهبية، ما هي الكلمة النبراس التي تهديها إلى كل قلم يسعى لنشر الجمال والرقي في عالمنا الملتبس؟

- استمتع بما تكتب ولا تنتظر شيئا من هذا العالم فمتعة الكتابة هي الأعظم. وتأكد أن روح ابداعك ستصل ولو إلى قارئ بعيد وتغير حياته.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.