مني عبد الرسول
01 Mar
01Mar

بقلم الأديبة / مني عبد الرسول 

نهضتُ من فراشي مسرعة، فقد حان موعد إعطائها الدواء… لكنني ارتطمتُ بأرجلها؛ كانت تجلس بجانب فراشي على الأرض، تنظر إليّ بعينٍ جاحظة. فطيّبتُ خاطرها، وأنهضتُها، ودخلتُ بها إلى دورة المياه، غسلتُ وجهها، وألبستُها ثيابًا نظيفة، ثم أخذتُها معي إلى المطبخ. أجلستُها على مقعد بجانبي، وأعطيتُها الدواء… فأنا أخشى عليها،فمنذ أن أصابها هذا المرض اللعين وجاؤوا بها إليّ، لا أتركها بمفردها.   

تذكّرتُ كيف أن الزمن دوّار، ولا يدري أحدٌ من سيكون أنفعَ له، كما قال ربي صدقًا وحقًا. فها هي زوجة ابنها الأكبر، التي كانت تفضّلها عليّ، لم تخدمها ساعةً في مرضها. كانت بجانبها وهي بوعيها، أما الآن، بعد إصابتها بالزهايمر، فلم تسأل عنها. 

ابنتها جاءت بها إليّ، وقالت: “يومين وأخذها تاني”، والشهر يسلّم شهرًا وأنا أتحمّل، زوجي طلب مني تحمل استضافة أمه عندي، حتى نريح أخته بعض الوقت، وافقتُ على الفور؛ فهو مسؤولٌ عنها مثل أخته… لكنه ترك المسؤولية عليّ وحدي.   

أعلم أنه تعجّب من موافقتي؛ فكم من معاملةٍ سيئة عاملتني أمه بها على مدى عشرين عامًا. لم تدعُني عندها أبدًا، وإن ذهبتُ إليها أهنئها في عيد الأم مثلًا، تقابلني بأبشع مقابلة. لا تشتاق لأولادي، ولا تودّ رؤيتهم… هي تريد ابنها فقط، وتغار من أسرته، لا تريده أن يرتبط بأحدٍ سواها.   

ذقتُ منها الأمرّين، حتى إن ابنها قال لي إنها “هولاكو”، ولا يستطيع أحد معاتبتها أو لومها.   

ومرّت السنون… وها هي الآن لا حول لها ولا قوة، لا تعلم أسماء أبنائها، ولا أحفادها، ولا حتى اسمها… لكن العجيب، كل العجب، أنها تنادي عليّ باسمي. أدركتُ حينها… أن الذاكرة قد تخون لكن القلوب… تحفظُ من آوانا حين ضاعتِ الدنيا.   

طردتُ هذه الأفكار، وأطعمتُها كالأطفال، وتحدّثتُ معها عن حياتها التي تجهلها تمامًا، وكأنني أحكي لها حكاية. وفجأةً أمسكتْ بكل ما أمامها، وألقتْ به عليّ وعلى الزجاج وكلِّ شيء، وأنا أصرخ محاولةً تهدئتها، بلا فائدة.   

ثم جلستْ صامتةً تضحك، وكأنها لم تفعل شيئًا.   

وعندما عاد زوجي من عمله، ورأى جراحي وما حلّ بالبيت من تكسير، رقّ قلبه لي، وهم بأخذها إلى أخته التي ترفض تمامًا إيداع أمها في مستشفى لعلاجها.  وعندما حاول أن يأخذها، تشبثت بيدي كطفلةٍ ضائعة، تصرخ باسمي…لأول مرةٍ منذ عشرين عامًا… اختارتني.



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.