01 Mar
01Mar

ظهر من حيث لا أدري، جلس على المقعدِ الخالي إلى جِواري في المقهى الذي يعج بالبشر، تفحَّصْتُ وجهه "لم يسبقْ أنْ  جمعتني به صحبة، من عساه يكون؟" 

أدار وجهه إليَّ ونظرَ داخلي عميقًا:    

ألم تكنْ تبحثُ عني؟ 

" وكأنه لمس وترًا حساسًا داخلي، إذ قضيت جلّ عمري باحثًا عن الحقيقة حتى وقر في نفسي اليقين ألا حقيقة على ظهر الأرض." 

ابتسمَ لرؤيةِ أحدِ المتسوِّلين مقبلًا علينا، هممْتُ بإخراجِ حافظةِ النُّقودِ من جيبي، إلّا أنّه استوقفني بسؤاله:    

- لماذا تمنحُهُ شيئًا من مالك؟    

- المالُ مالُ الله. 

دوّتْ ضحكتُهُ في المكانِ إلا أنها لم تُثِر انتباه أحدٍ من حولنا، عقّب بالقول:    

- وما يدريكَ أنَّهُ يستحقُّ ما تهبُهُ؟    

- ألا يكفي أنّهُ يسأل؟ 

التزم الصَّمتَ، وركَّز نظراتِ عينيه على وجهِ الشّحَّاذِ وهو يتناولُ الورقةَ الماليّةَ في لهفةٍ، ثمَّ يطويها ويدسُّهَا بين ثَنِيَّاتِ ملابسه:   

- أظنُّكَ تشعرُ الآنَ بالرضى؟   

- ألا يجبُ أنْ يشعرَ المرءُ بالرِّضى إنْ فعلَ خيرًا؟   

- أتظنُّ أنَّ هناك مَنْ يستحِقُّ أنْ يخرجَ من بئرٍ أحْكَمَ على نفسِهِ غلقَ غطائِها؟   

- ما فعلتُ إلَّا أني أعطيتُ مُحتاجًا قليلًا منَ المال.   

- ولكنَّك أغلقْتَ أمامه طريقَ النَّجاةِ دون أنْ تدري. 

رفعتُ نظري إليه وسألتُهُ ضجَرًا :   

- هل سبَقَ وأنْ فعلتَ خيرًا في حياتك؟   

- أتصدِّقُني إنْ قلتُ لكَ إنّني أكثرُ من يمُدُّ يدَ العونِ للمحتاجين على وجهِ الأرض؟ 

ثمَّ صوَّبَ نظراتِهِ كالسِّهامِ في حدقةِ عيني وهبَّ واقفًا:    

- تعالَ معي!   

- إلى أين؟   

- ألا تريدُ أنْ تكتشفَ الحقيقة؟   

- ومن منَّا لا يريد؟ 

قادني وأنا مسلوبُ الإرادةِ في أعقابِ الرَّجُل، أمضى الشَّحَّاذُ بقيَّةَ اليومِ في التّسوُّلِ دون أنْ يضعَ شيئًا في جوفه؛ متصنِّعًا في كلِّ مرّةٍ العجزَ، حتى دنتِ الشّمسُ من مغربِها، فقصدَ أطرافَ البلدة، تلفَّتَ حوله قبل أنْ يدلُفَ إلى دارٍ مهجورةٍ، بدَا وكأنّهُ شعَرَ أنّ هناك من يسيرُ في أثرِهِ، اطمئنَّ إلى خُلوِّ المكانِ، فدخل الدَّارَ مُتسَلِّلًا، تساءلتُ بيني وبين نفسي "كيف لمْ يرَنَا ونحن على هذا القُرْبِ منه؟" 

سمعتُ صوتًا يتردَّدُ في أذني "ألمْ أقلْ لك لا تسألْ عن أمرٍ حتى أخُبرَكَ عنه."  

ظهرتِ امرأةٌ تضعُ فوق رأسِها لفافةً من القماشِ، وتسحبُ خلفها بنتين في ثيابٍ رثَّةٍ، دخلتِ الدَّارَ مع حلولِ الظَّلامِ واستلقتِ البنتان في العراء، تدافعتِ الأسئلةُ على رأسي" من تكونُ المرأةُ؟ وما علاقتُها بالرَّجل؟ ولماذا تركتِ الفتاتين خارجَ الدَّارِ لتناما هكذا دون غطاءٍ في بردِ الشِّتاءِ القارسِ؟" 

قطعَ فيضُ أسئلتي الملِحَّةِ بقوله:   

- ألا تريدُ أنْ تدخلَ عليه لتشهد ما يصنع؟ 

وقفتُ في مكاني متردِّدًا "ماذا يمكنُ أنْ يصنعَ أكثرَ من ذلك؟"   

- لا! لا أريدُ أنْ أعرفَ شيْئًا. 

أدرْتُ له ظهري، وسرْتُ في جوفِ اللَّيل؛ ناويًا العودةَ إلى دارِي، وشعورٌ بالأسفِ يحُفُّني من جرَّاءِ الأسئلةِ التي شغلتني في مرحلةٍ ما من مراحلِ عمري، ثمَّ ها هي تعودُ لتهدرَ داخلي كأمواجِ البحرِ الهائجةِ "ألمْ يكنْ في مقدورِ القديرِ أنْ يخلقَ العالمَ دونَ فقرٍ؟ لماذا نُحَمِّلُ الفقراءُ كلَّ الآثامِ الظَّاهرةِ منها والباطنة؟ هل يمكنُ أنْ ترتقيَ البشريّةُ مع وجودِ الفقرِ؟ كنتُ أقولُ لنفسي دائمًا، لا يجوزُ الحكمُ على البشرِ بصورةٍ صحيحةٍ دون النَّظرِ في الظُّروفِ التي تحيطُ بهم." 

دفعتُ البابَ، ودخلتُ حيث أسكنُ وحيدًا، فوجئتُ به جالسًا في هذا الرُّكنِ الذي اعتدتُ أنْ أجلسَ فيه وحدي تحت ضوءٍ خافتٍ، عقَدَتِ الدَّهشةُ لساني "لقد تخيَّلْتُ أني تخلَّصتُ منه بعد افتراقِنا، ماذا أتى به؟ وأنى له أن يعرفَ أين أسكنُ؟"   

- جئتُ لأمنحَكَ الأجوبةَ على أسئلتِك. 

لذتُ بالصَّمتِ، واكتفيْتُ بمراقبتِهِ وهو يحرِّكُ شفتيْه:   

- الفقرُ هو الرَّحِمُ الذي يتخلَّقُ فيه الشَّرُّ، والشَّرُّ هو ما يدفعُ البشريةَ إلى الأمام، بدونه تصبحُ الأرضُ مجرَّدَ بُحيرةٍ آسنةٍ، لا حياةَ فيها ولا حركةَ ولا نماء. 

ثمَّ أشارَ نحو النَّافذةِ المشرَّعةِ:   

- انظر عبرها! 

سرتُ في خطواتٍ متباطئةٍ، أغالبُ الشُّكوكَ المتصارعةَ داخلي "ماذا ينوي أنْ يكشفَ لي؟ هنا على أطرافِ البلدةِ، وفي جوفِ اللَّيلِ تخلو الطُّرقاتُ إلَّا من عابرِ سبيلٍ قادَهُ حظُّهُ العاثرُ إليها ." 

مددتُ عُنُقي عبر النَّافذةِ، صُعِقْتُ للمشهدِ، أفقتُ من شُرُودِي على سؤالِهِ:   

- لماذا ترتجف هكذا؟   

- الشَّحَّاذ.   

- ما به؟   

- يطاردُ رجُلًا ويقذفُهُ بالحجارة.   

- أتدري ماذا صنعَ الرَّجُل؟ 

" أي شيءٍ عساهُ قد فعلُ وهو الغريبُ عن البلدة؟"   

لمْ أكدْ أطرحُ السُّؤالَ على نفسي، حتى فوجئتُ بي واقفًا من جديدٍ أمام الدَّارِ المهجورةِ التي يسكُنُها الشَّحَّاذ، والغريبُ يطرقُ بابَها سائلًا:   

- جوعان! حاجة لله يا أهل الدار!   

- نحن فقراء لا نملِكُ شيئًا لنعطيَهُ لك. صدر الصَّوتُ من داخلِ الدَّار.   

- لا أسألُ أكثرَ من كسرةِ خبزٍ وشربةِ ماء!   

- اذهب لتسأل أحدًا غيرنا من أصحابِ الدُّورِ العامرة!   

- مررتُ بكلِّ بيوتِ البلدةِ، ولكنهم… 

اختنقَ صوتُ الرَّجُلِ، وأجهشَ بالبكاء.. "أرأيت؟" 

أدرتُ رأسي لأجدَهُ خلفي. 

"ظننتُ أنَّ الشَّحَّاذَ سيظهرُ له الرَّأفةَ؛ لأنّه يكابدُ مثله." 

"هذا ليس كلَّ شيءٍ، انتظر!" 

أطْرَقَ الرَّجُلُ برأسه، وهَمَّ بالرَّحيلِ؛ لاعِنًا البلدةَ وأهلَها متحجِّري القلوب" لمْ أضعْ في جوْفي طعامًا طيلة اليوم، وهؤلاءِ القُسَاةُ لمْ يعطفوا عليَّ وأنا عابرُ سبيلٍ، تعْسًا لبلدةٍ أغنياؤها بخلاءُ، وفقراؤها مرَدَة!" 

التفتْ إلى أنَّاتِ الفتاتين في العراء، أسرعَ إليهما وفكَّ وثاقهما، ثمَّ هَمَّ أنْ يقيمَ الجِدارَ المتصدعَ حيث ترقُدَان: 

"لقد ترك أبوكما لكما تحت هذا الجدارِ وصيَّةً، لا تسمحا لأحدٍ بالوصولِ إليها!" 

بدتِ الدَّهشةُ على وجهِ الصغيرتين، فهمسَ لهُنَّ: 

"هذا الرَّجلُ ليس بوالدِكما!" 

عندها خرجَ الشَّحَّاذُ منَ الدَّارِ، وأخذَ يقذفُهُ بالحجارةِ، ويطاردُهُ عبر الشَّوارعِ، مستنجِدًا بأهلِ البلدة:   

- أنقذوني! يريدُ أنْ يخطفَ بناتي. 

تداعى أهلُ البلدةِ لنجدَتِهِ ،طاردوا الرَّجُلَ من شارعٍ إلى شارعٍ، حتى وصلَ إلى أطرافِها، أشفقْتُ عليه وأنا أرى الدِّماءَ تسيلُ من رأسه لتُغْرِقَ ثيابَهُ المهلْهَلَةَ، صرخ من شدَّةِ ألمِهِ: "- 

إنْ لمْ يخلِّصْني الرَّجُلُ الصالح فيها فلينقذْني الشَّيْطان من هذه البلدةِ الظالمةِ أهلِها!" 

أطلقَ الواقفُ ورائي ضحِكَةً مجلجلةً، وأنا أشاهدُ ما يجري للرجل عبر نافذتي، استدرتُ إليه وهممتُ أن أطرح عليه السؤال إلا أنه استبقني بالقول:     

- كما أنَّ في كل بلدة رجل صالح مجاب الدعوة هناك شيطان يسكنها. 

أطلقتُ نظراتي لتتفرس ملامحه، والسؤالُ يكاد ينهش كياني "أيهما تكون؟''  

اختفى من أمامي، وإذا به يظهرُ في اللَّحظةِ نفسِها فاصلًا بين الغريبِ وحشدِ الناس، رأيتُهُ من مكاني يرفعُ يدَهُ عاليًا، تعلَّقتْ أعينُهم باليدِ التي يقبضُها ويبسطُها، خِلْتُ أنَّهُ يُلقِي إليهم بكلماتٍ، لم أتبينْها من مكاني، عادوا بعدها فُرَادَى من حيث خرجوا، واختفوا في ظلمةِ اللَّيل، تقلَّبْتُ في نومي والسُّؤالُ يطرقُ رأسي طرْقًا "ما الرِّسالة؟" 

** 

ضربَ أوَّلُ شعاعٍ للشَّمسِ ناصيةَ الرَّجُلِ، قام من رقْدَتِهِ على الحصيرةِ التي يفترشُهَا، نكزَ المرأةَ التي تغُطُّ في نومِها تحت قدميه:   

- اذهبي لتسرحي بالبنتين! 

تثاءبتِ المرأةُ:   

- ألَا أطُشُّ وجهي ببعضِ المياه؟  

 - الوجهُ العَكِرِ يجلبُ الرِّزقَ الوفير. 

أدارتِ المرأةُ وجهَهَا وهمّتْ بالانصرافِ، إلَّا أنَّه استوقفَها بقوله:   

- ناوليني العُكَّازَ، وساعديني لألبسَ القدم!" 

رفع حاجبه إلى الصُّورةِ المعلَّقةِ فوق الجِدارِ قبل أنْ يغادرَ الدَّار:   

- متى يحينُ الميعادُ سيِّدي؟   

- عندما تجدُ صورتي في كلِّ قلبٍ.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.