محمد كامل
01 Mar
01Mar

بقلم الأديب / محمد كامل 

اضطرتني ظروف الحياة القاسية أن أستوطن هذا المكان، بين بقايا حياة ذابلة وأرواح هائمة تبحث عن مستقر لها، تسللت مستترا في جنح الليل، أعددت أقامتي البسيطة مما تبقي لي من أثاث متهالك، أرغمت نفسي على البقاء وانا أعاهدها على العودة القريبة، ضاقت الحياة بما رحبت أمامي، تراكمت الديون فآرقت ليلي، لم أكن الوحيد الذي يقتحم هذا السكون الآبدي، سبقني الكثير والكثير ممن طرقوا الأبواب التي لا توصد أبدا في وجه أحد. 

صارت الحياة والعدم سواء، ألملم بقايا نفس متهلهلة وروح كسيرة، أغلق الباب لأواجه وحيدًا الخوف الذي صار يلازمني، أقلب دفاتر الماضي بتفاصيلها ودفئها، أعود صبيًا يلهو وحوله الآحباب، أحتضن الوالد الذي سقط في غفلة، أستعيد الحياة في أحلامه المفقودة، أستند إلى ذاك الجبل الذي حملني صغيرًا بين ذراعيه، أمضي في دروب غابت عن الحياة ولكنها متجسدة في ذاكرتي.  

 ببطء تمر الساعات، وفي ليلتي الثانية أتي بعض الزائرين لمسكني الجديد، وجوه كأنها عائدة من زمن بعيد مضى، لمحت عيونهم التي أختبئت عني قليلًا، كان ترحيبهم بقدومي يفوق تصوراتي، نشأت بيننا علاقات صداقة متينة، استمرت زياراتهم لشهور متتالية، أحاطوني بالدفء الذي لم أعهده من قبل، بثت قلوبهم الطمأنينة لروحي، شاركتهم حياتي الجديدة؛ متخففًا بهم من هذه التلال الكئيبة التي تجثم على قلبي، بصفاء يسردون حكمتهم وأصغي لهم، تتسع صدورهم لما يجيش بداخلي.  

علي قبر والدي وقفت متألمًا لفراقه، جالت بخاطري كلماته الرصينة، مازالت حكمته تنفذ إلى صدري، ألتفت حولي أرواحهم التي لم تفارقني ليلة واحدة، تسري ابتساماتهم وحدتي، عانقتهم ورجوتهم ألا يفارقوني، فالحياة باتت بينهم أكثر أمانًا، قبل أن انصرف لمحتهم يتسسللون إلى داخل القبور المحيطة، ينفذون رغم وجود الأقفال والأسوار، حاولت اللحاق بهم، ولكنهم غابوا عن المشهد تماما وتلاشت صورهم، جمعت ما تبقي داخلي من قوة، وفي هدوء تخيرت أحد القبور ورقدت بداخله. 



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.