بقلم الأديبة / فاتن صبحي
كان الغروب يوشك أن يُسدلَ ستاره على ضفاف النهر الهادر، حيث انعكست أشعة الشمس الغاربة على صفحة الماء كأنها دموع تسكبها السماء على وداع يومٍ مضى.
على الجسر الخشبي العتيق
الذي اعتاد المارة عبوره دون اكتراث، وقفنا معًا.
كنت أقف بالكاد على قوائمي الأربع، لم أعلم أن الخيانة تنتظرني هناك، ففي لحظة غدرٍ لا تُنسى اقترب منّي ذاك الذي لازمته في السراء والضراء، ثم بلا تردد أو نظرة وداع دفعني بقوة إلى أسفل الجسر مُلقيًا بي في النهر .
تقاذفتني الأمواج الباردة العاتية.. لا أفهم لِمَ خانني من منحتُه عمري ووفائي؟ لحظةٌ صادمة جردتني من أمانيَّ وألقتني في عتمة الأسئلة والحيرة.
لم يكن السقوط هو البداية
بل تلك اللحظة التي سبقته
حين التقت أعيننا وكنت أظن أنه سيقودني إلى دربٍ جديد لا إلى هاوية الموت.
هو لم يدفعني بقوةٍ، بل بخفّةِ العارفِ أنني لن أعود.
كنت أثق به وكنت استطيع مقاومته وهو يدفعنى ،لكن الصدمه كبلتنى.
ارتجفتُ... لا أعرف أيُّ شيءٍ انكسر أولًا؟ الروح أم الجسد.
الماء بارد، والموج عاتٍ،
لكن أشدّ ما يفتك بي هو هذا السؤال الثقيل، هل كنتُ له شيئًا حقيقيًا أم مجرد أداة تخلص منها بعد استخدامها؟
مر بي كثيرون، منهم من خاف أن يقترب، ومنهم من نظر إليّ نظرةً مشفقة وعابرة، ومنهم من قال:
"لماذا لا يحاول؟
وأنا لم أكن أبحث عمّن يُنقذني، بل عمن يفهم كيف سقطت، ولماذا؟
استسلمتُ للأمواج صدمةً غير مصدّقٍ لما حدث، متسائلًا:
لماذا أوقفني فوق الجسر من الأساس؟
لكنّي الآن عرفت الإجابة.
وفي النهاية تركت نفسى للتيار الجارف فلم يكن سقوطي ضعفًا،
بقدر ما كان خذلانًا وغدرًا .
